لمن نشكو مآسينا؟
ومن يصغي لشكوانا، ويناجينا؟
بهذين البيتين ابتدأ الشاعر أحمد مطر قصيدته “منفيون” التي أفرغ فيها جام سخطه وغضبه على حكام العرب، وعلى ما خلفوه من الفساد والفقر والبؤس الذي تعاني منه غالبية الشعوب العربية، ناهيك عن الخيانة!
تعددت أشكال الخيانة وآثارها، لكن أبى ولاة أمرنا إلا أن تجتمع فيهم كل أشكالها، فمن عادتهم أن يحوزوا كل شيء وأن يملكوا كل شيء، فهذه البلدان بأراضيها وثرواتها وتاريخها ملك لهم، والشعوب رعية لهم ولأولادهم. لكن حين التفكير في هذا الكلام أجد أن المسألة أعمق من الفساد والسرقة، لأنها تبدأ من سؤال بسيط لم نسأله لأنفسنا يومًا: هل نعرف أصلًا الفرق بين الدولة والحكومة؟
كنت في أحد المجالس، وكان الحديث يدور حول أزمة الوقود وارتفاع الأسعار، وكما يحدث دائما جاءت المقارنة بما كان عليه الحال أيام الأسد وفي وسط الكلام قال أحدهم: شو هالدولة ال*** اللي مانها قادرة تأمن محروقات للشعب” وافقه الجميع، أومأت الرؤوس وتتابعت عبارات التأييد، ولم يتوقف أحد عند كلمة الدولة، أما أنا فاستوقفتني، لا أنكر أن الرجل غاضب من أزمة حقيقية، ومن حقه أن ينتقد، لكنه سمى الحكومة دولة، وسماها الجميع معه دون أن ينتبهوا
وسبب توقفي أنني أرى من الطبيعي ألا تتساوى الدولة مع الحكومة. فقد يأتي حكام بتوجهات وأفكار مختلفة، وقد يكون بعضهم دكتاتورا يحكم البلاد لعقود فيقودها إلى الخراب، ومع ذلك فالحكومات متغيرة، والحكام مهما بقوا فلهم عمر لن يطول ولن يخلدوا، أما الوطن فباق، له سيادته وله هويته ومع هذا أعرف أن هذا الكلام الذي يبدو لي طبيعيا لكنه مجرد ترهات لدى الكثيرين وإذا ما سمعه أحدهم فسينهال سخرية…
الخلل يبدأ من لساننا قبل أفكارنا، فنحن في لهجتنا اليومية نقول “الدولة” ونقصد من يجلس على الكرسي، هكذا سمعناها منذ صغرنا: “الدولة ما بتعمل شي”، “الدولة سرقت”، فلا أحد منا يقصد الأرض والشعب والقانون والمؤسسات التي تبقى بعد ذهاب الأشخاص وحين لا تجد في كلامك العادي كلمة تفرق بين الشيئين، يصعب عليك أن تفرق بينهما في تفكيرك ولا أظن أن هذا حدث بالصدفة، فالأنظمة الشمولية تعمل على ترسيخه لأنه يخدمها، حين تكتب “سوريا الأسد” على اللافتات وتُعلق صورة الرئيس في كل مدرسة ودائرة حكومية، يتعلم الناس يوما بعد يوم أن الحاكم هو البلد، وحين يصير انتقاد الحكومة خيانة للوطن يتعلمون أن يسكتوا، لأن من يعارض الحاكم يعارض بلده، ويصل الأمر إلى أن يتحول الجيش والأمن من حماة للدولة إلى حماة للنظام، فلا يعود المواطن يرى فرقا بين خدمة وطنه وخدمة السلطة وفوق هذا كله لم ير المواطن من الدولة وجها غير هذا الوجه: الموظف الذي يطلب رشوة، والحاجز، وفرع الأمن، والمعاملة التي لا تنتهي إلا بواسطة فإذا كره “الدولة” فهو يكره ما عرفه منها فعلا، ولا يعرف غيره، ولعل ما نراه أحيانًا ضعفا في الانتماء هو في حقيقته انهيار لمعنى الوطن عند من لم ير الدولة إلا بوجه النظام
وإن سألتني لماذا لم ينتبه الآخرون لما انتبهت إليه، فلأنهم فريقان.. فريق متشرب من فكر المتحدث نفسه، فالدولة والحكومة عنده شيء واحد، وفريق آخر لا يهمه الأمر أصلا، لأنه يرى أنه ما فائدة الوطن والوطنية إن كنت جائعا.. وهذا الفريق الثاني معه حق من جهة، فالنشيد الوطني لا يشبع أحدا، لكنه يقع دون أن يشعر في الخلط نفسه، إذ يحمل الوطن ذنب حكومة فشلت أو أفسدت، فيتخلى بذلك عن الشيء الوحيد القادر على إطعامه في النهاية، أي المؤسسات التي تعمل والقانون والاقتصاد المنظم وتزداد خطورة هذا الخلط بعد التحرر، لأن الناس حين يسقط النظام قد يظنون أن الدولة سقطت معه، فيريدون هدم كل شيء بحجة أنه من عهده، من الإدارة والقضاء إلى الخدمات التي يحتاجونها كل يوم، ويحل الفراغ مكانها.. وفي المقابل قد تأتي سلطة جديدة فتحل محل القديمة وتكرر الخلط نفسه بشعارات مختلفة، ويتقبله الناس لأنهم اعتادوه، ولهذا فالاختبار الحقيقي لأي تحرر أن نفرق بين تنظيف المؤسسات من الفاسدين والمجرمين، وبين إبقاء الجهاز الذي يخدم الناس.
ولمن يسألني: ما فائدة الوطن وأنا جائع؟ أقول له إن جوعك سببه حكومة فسدت أو فشلت، وليس الوطن. وقد جربنا في اللجوء ما معنى أن يكون الإنسان بلا دولة تحميه وأن تصير كرامته رهينة بلد غيره، والإنسان مهما ارتحل ومهما جد وعمل فلن يجد هواء كهواء وطنه ولا أرضا كأرضه أعلم أن هذا الوطن مليء بالفساد والمحسوبيات، وأننا فقراء، لكن ذلك كله نتيجة عقود من الحرب ونهب الثروات ونظام بني على الفساد، وهدم ما سبق يحتاج وقتا وعملا وجهدا… والسلطة وإن كانت تصنع الفساد وتحميه، فإن الناس يشاركون فيه حين يقبلونه ويتعايشون معه، ولهذا فالأمر في النهاية مربوط بنا نحن أيضا.. الأوطان لا تبنى بالمساعدات ولا بالشعارات، وقد تأتي سنوات تعسر فيها أحوالنا بسبب من يحكمنا لكنها ستمضي، وسنزيح الفاسدين والمتصيدين ونجعله أفضل، ليس غدا بالتأكيد، لكن البداية أن نعرف أن الوطن لنا جميعا ولا يملكه من يحكمه، فالحكومات تتبدل والوطن يبقى


